اسماعيل بن محمد القونوي

276

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قميصه في موضع النصب على الظرفية إذ على اسم بمعنى فوق رد عليه أبو حيان بأن العامل إذ ذاك جاؤوا وليس الفوق ظرفا لهم بل يستحيل أن يكون ظرفا لهم وأجاب مولانا سعدي بأن المجيء المتعدي المستعمل بالباء يجوز أن يكون له ظرفا فمعناه أتوا به فوق قميصه ولا يخفى استقامته انتهى وهذا الجواب أحسن الأجوبة هنا . قوله : ( أو على الحال من الدم إن جوز تقديمها على المجرور ) نقل عن اللباب ولا يتقدم الحال على صاحبها المجرور على الأصح نحو مررت جالسة بهند إلا أن يكون الحال ظرفا انتهى لكن المصنف لم يلتفت إليه بل بني الكلام على مذهب من جوزه ولم يرض اتفاقهم على الجواز إذا كان ظرفا كما أومي إليه صاحب اللباب والشيخ الزمخشري بت على عدم الجواز هنا فكيف يدعي الاتفاق في الظرف . قوله : ( وروي أنه لما سمع بخبر يوسف صاح وسأل عن قميصه فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا ) أصله ما رأيت ذئبا كالذئب الذي رأيت اليوم أي مثل الذئب فقدم الكاف مع المضاف إليه فصار كذئب اليوم فحذف المضاف إليه وهو ذئب كاليوم على ذئبا فصار حالا أو أصله ما رأيت كذئب أراه اليوم ذئبا أي ما رأيت مثله في الذئاب ففيه حذف لما بعد الكاف ولعامل الظرف وهو أراه وذئبا تمييز واحلم صفته والمقامة التعجب كما قيل أو الإنكار كما هو الظاهر واحلم إسناده إلى الذئب لأنه مستعار وهذا إشارة إلى الذئب الذي في أكله الذئب ومثل هذا لا يقال إنه إشارة إلى ما في الذهن وإن كان صحيحا في نفس الأمر . قوله : ( أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه ولذلك قال : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ [ يوسف : 18 ] الآية ) أكل بيان لقوله : ( ما رأيت ) وهذا كلام اخرج على زعم المخاطب وإلا فهو عليه السّلام لم يعتقد أكله بل حمله على كيدهم وعن هذا قال : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ [ يوسف : 18 ] . هو حال من الدم المعنى جاؤوا بدم كذب على قميصه قال سيبويه ولا تتقدم على صاحبها المجرور أي لا تتقدم الحال على ذي الحال المجرور على الأصح نحو مررت جالسة بهند إلا أن يكون ظرفا . قوله : أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه استدل يعقوب عليه السّلام على أنهم كاذبون بوجهين بما عرف من الحسد الشديد في قلوبهم ولسلامة القميص فإنه لو أكله الذئب لخرق قميصه قال صاحب الانتصاف أقوى شاهد على التهمة أنهم ادعوا الوجه الخاص الذي اتهمهم أبوهم وهو أكل الذئب إياه وكثيرا ما يتلقف الأعذار الباطلة من في من يعتذر إليه ومنه تلقف الجواب عن كلام السائل في قوله تعالى : ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ [ الانفطار : 6 ] فإنه يتلقف منه معنى غرني كرمك يا ربي وقيل كان في قميص يوسف ثلاث آيات الآية الأولى أنه كان دليلا ليعقوب على كذبهم والثاني أن يعقوب ألقاه على وجهه فارتد بصيرا والثالث أنه كان دليلا على براءة يوسف حين قد من دبر .